عين القضاة

مقدمة 12

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

على وجوده أعنى على وجود القديم ، من طريق النظر في الحركة ؛ فإنّ ذلك ، وإن كان طريقا واضحا وبالمقصود وافيا ، فسلوكه يطول ، ويحتاج فيه إلى إثبات مقدمات يستغنّى عنها من يسلك الطريق المستقيم . لست أنكر أن النظر في الحركة فيه فوائد كثيرة ، ولكنني أقول أنه مستغنى عنه في تلك المسألة من حيث ذاتها . وقد ذكر الإمام حجة الإسلام الغزالي - رضى اللّه عنه - في كتابه الموسوم « بالإقتصاد في الإعتقاد » قريبا من عشرة أوراق في إثبات القديم . ولعمري أنه كان معذورا في ذلك فان كتابه هذا على منهاج كتب الكلام وان كان كلامه فيه مترقيا عما يشتمل عليه كتب المتكلّمين . وكثير ممن سواه سوّدوا أوراقا كثيرة في تلك المسألة كما هو مشهور عند العلماء ، وذلك فصول مستغنى عنه . والحق اليقين في اثبات القديم أن يستدل عليه بالوجود الذي هو أعم الأشياء ؛ إذ لو لم يكن في الوجود قديم لما كان في الوجود موجود أصلا والبتة ؛ وذلك لأن الوجود ينقسم قسمة حاصرة إلى الحادث والقديم ، أعنى إلى ما لوجوده بداية وإلى ما ليس لوجوده بداية . فلو لم يكن في الوجود قديم لم يكن أصلا حادث ، إذ ليس في طبيعة الحادث أن يوجد بذاته ، فإن الموجود بذاته يكون واجب الوجود ، والواجب بذاته لا يتصوّر له بداية . وينتج من هذه الكلمات قياس برهاني يلقّبه أهل النظر بالشرطىّ المتّصل ، ليكون ادراكه أسهل على المبتدى الذي لم يقو على ادراك الحقائق المعقولة . فيقال : لو كان في الوجود موجود لزم بالضرورة أن يكون في الوجود قديم ؛ فهذا أصل يقينىّ لا يتصور أن يشك فيه أحد من الخلائق . ثم يقال : الوجود معلوم قطعا ؛ وهذا أصل ثان وهو كالأول يقينىّ . وبعد ذلك ينتج من الأصلين